كذلك يقال : لابناء من العقلاء على اتّباع هذا الظهور العمومي ، المنافي لبنائهم عملا على اتّباع الخبر ، والجري على الحالة السابقة ، فلا موقع لامضائه شرعا ، فكل من العام وما يقابله غير تام الاقتضاء من وجه.

وأما ما ذكرنا - في باب حجية الظاهر (١) الذي قام ظن معتبر عند العقلاء على خلافه - من أن النهي عن اتّباع ذلك الظن شرعا إذا كان مطلقا كان أمرا باتّباع الظاهر الذي يقابله بالالتزام العرفي ، فيكون دليل الحجية ابتداء لا إمضاء فهو غير جارهنا ؛ لأن النهي عن الخبر - مثلا - بنفس هذا الظاهر ، الذي لابناء من العقلاء على اتّباعه ، ولا يعقل أن يكون هذا الظاهر أمرا باتّباع نفسه.

وعليه فحيث لابناء من العقلاء على اتّباع هذا الظاهر ، ولا حكم من الشارع باتّباعه ، لا إمضاء ولا ابتداء ، فلا رادع من بناء العقلاء على العمل بالخبر ، أو بمقتضى الحالة السابقة ، فيكون هذا البناء تام الاقتضاء والعام غير تام.

هذا ملخص ما ذكرناه في مبحث حجية الخبر الواحد (٢) .

والتحقيق : إن عدم بناء العقلاء على العمل بالعام - الذي في قباله الخبر مثلا - ليس من جهة قصور فيه ، بل هذا العام المتكفل للنهي عن اتّباع كل ظن ، كسائر العمومات ، وليس من جهة ورود خاص في قباله من قبل المولى ، الذي القى هذا الظهور العمومي إلى عبيده ، حتى يدخل في تلك الكلية المستفادة من عمل العقلاء بالعام الذي ليس في قباله خاص.

بل من حيث أن المفروض بناؤهم على العمل بالخبر ، لحكمة داعية لهم إلى اتّباعه ، فلا يعقل منهم - بما هم عقلاء - البناء المنافي لهذا البناء ، سواء كان المنافي لهذا البناء ظهورا عموميا أو خصوصيا.

مع أن المنع عن اتّباع الخبر بالخصوص ليس موردا للاشكال - هنا - ، لوضوح تقديمه على البناء على العمل بالخبر ، فيعلم منه أن عدم البناء على اتباعه - ولو كان بالخصوص - ليس بملاك تقديم الخاص على العام.

كما أنه لا ينبغي الارتياب في أن العقلاء - بما هم منقادون للشارع - لا فرق في نظرهم بين الردع بالعموم أو بالخصوص ، بل بملاحظة لزوم انقياد العبد لمولاه وتقبيح خروجه عن زي الرقية ، ورسم العبودية يحكمون بوجوب اتّباع ما جعله المولى حجة على عبده ، ولو

__________________

(١) ج ٣ : التعليقة : ١١٦.

(٢) ج ٣ : التعليقة : ٧٤.

۴۳۰۱