المجمعين استندوا في ذلك إلى أحد الوجوه المستدل بها في المسألة ، ومعه لا يكون الإجماع تعبدياً يستكشف به قول المعصوم عليه‌السلام.

على أن المسألة من المسائل المستحدثة الّتي لا سبيل فيها إلى استكشاف الاتفاق بل يمكن الجزم بعدم حصوله لذهاب جمع من المحققين إلى الجواز.

الخامس : قاعدة الاشتغال‌ ، وذلك لأن الأمر في المقام يدور بين التعيين والتخيير في الحجية والعقل قد استقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعينه ، وذلك للقطع بأن الفتوى المأخوذ بها حجة معتبرة في حق المكلف وإنما التردد في أنها حجة تعيينية أو تخييرية وذلك للشك في جواز العدول إلى فتوى المجتهد الآخر. إذن حجية فتوى المجتهد الأول مقطوع بها فيؤخذ بها ، وفتوى المجتهد الآخر مشكوكة الحجية والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها. والسّر في ذلك أن الواقع منجّز على المكلفين من جهة العلم الإجمالي بالأحكام ، ومعه يستقل العقل بلزوم امتثالها وإتيانها أو إتيان ما جعله الشارع مبرئاً للذمّة تعبداً حتى يحصل به الأمن من العقاب ، فلو اقتصر المكلف حينئذٍ على ما لم يقطع بحجيته لم يكن مأموناً من العقاب لعدم علمه بامتثال الحكم الواقعي أو الإتيان بما هو مسقط له ومبرء لذمته.

ودعوى : أن استصحاب التخيير يثبت أن العمل على طبق الفتوى الثانية أيضاً مؤمّن ومبرء للذمّة ، فتكون معلوم الحجية كالفتوى السابقة كما عن شيخنا الأنصاري وغيره (١).

مندفعة بالمنع عن استصحاب الحجية التخييرية للوجوه المتقدمة ولا نعيد ، هذا كلّه بناء على ما هو الصحيح من أن حجية الحجج والأمارات إنما هي من باب الطريقية.

وأما بناءً على حجيتها من باب السببية والموضوعية فالأمر أيضاً كما ذكرناه ، لأن الفتويين المتعارضتين تدخلان في باب التزاحم حينئذٍ وبما أن الفتوى المأخوذ بها محتملة الأهمية تتقدم على الفتوى الثانية ، ويتعين الأخذ بها لأن الأهمية واحتمالها من‌

__________________

(١) رسالة في الاجتهاد والتقليد : ٨٧.

۳۷۹