ثمّ لو فرضت الدلالة على ذلك فنحتاج إلى نسبة أُخرى بين الترك ـ المعنى الاسمي المدلول عليها بالهيئة ـ وبين المادة وهي الطبيعة وهي نسبة الإضافة لأنَّ المطلوب انَّما هو ترك المادة لا مطلق الترك ولا دال على هذه النسبة الثانية فأيضاً لا بدَّ من إقحامها في مدلول الهيئة فهذه مشاكل ومتاعب تثيرها هذه الفرضيّة لمفاد النهي.

الجهة الثانية ـ في أنَّ المستفاد من صغة النهي هل هو الإنحلال بحيث يكون الحكم الستغراقيّاً أم لاتوجد إلاَّ حرمة واحدة كالوجوب المستفاد مت الأمر؟

المعروف أنَّ المستفاد من النهي التحريم المطلق بنحو الإطلاق الاستغراقي فيكون هناك تحريمات عديدة بعدد الأفراد لا حرمة واحدة والأثر العملي بين القولين أنَّه على القول بوحدة التحريم لو صدر منه الفعل مرّة جاز له أَنْ يرتكب فرداً آخر منه وامَّا على القول بانحلالية التحريم فيكون الفرد الثاني محرماً كالفرد الأول بحرمة أُخرى مستقلة لا تسقط بعصيان الأولى.

والصحيح ما عليه المشهور فمتعلّق النهي إطلاقه شمولي استغراقي بخلاف متعلّق الأمر الّذي يكون إطلاقه بدليّاً ويكون المطلوب صرف وجوده.

من هنا يرد السؤال : انَّه كيف أصبح الفرق بينهما مع انَّ الإطلاق في المدلولين معاً بمقدمات الحكمة وهي واحدة في المقامين.

وقد عالج السيد الأستاذ ـ هذا الإشكال ببيان انَّ هناك مقداراً مشتركاً من مقدمات الحكمة يجري في مورد البدلي والشمولي معاً وهذا المقدار المشترك ليس هو المعين للشمولية أو البدليّة وانَّما يضمّ إليه ضميمة ومقدمة عقلية في بعض الموارد فينتج البدلية ويضمّ إليه ضميمة ومقدمة أُخرى فينتج الشمولية (١).

ولأجل توضيح هذه الفكرة نورد ثلاثة أمثلة.

الأول : في متعلَّقات الأوامر كما إِذا قال المولى ( صلِّ ) فانَّه لا يخلو من أَنْ يكون متعلَّق الأمر أحد شقوق فإما هو جميع الصلوات ـ وهو معنى الإطلاق الشمولي ـ وإِمَّا هو إِحدى الصلوات وهو الإطلاق البدلي ـ وإِمَّا هو مجموعة من الصلوات.

__________________

(١) المحاضرات ، ج ٤ ، ص ١٠٦ ـ ١١٤

۴۵۵۱