لا بمدلوليهما مصداقان للتحريك والزجر فلا بدَّ وأنْ يكون مدلولهما أمراً آخر غير التحريك والزجر.

أقول : ما نسبه إلى المعترضين بهذا المقدار من البيان لا يكون برهاناً على ردّ مقالة السابقين اللهم إِلاّ أنْ يُراد منه دعوى الوجدان والتبادر العرفي وهذا صحيح بالإضافة إلى منبهات لهذا الوجدان سوف نشير إِليها فيما يأتي.

وامّا الاعتراض الّذي وجهه عليهم فكأنّه انسياق مع مبانيه في باب الوضع وانّه عبارة عن التعهّد الّذي يستوجب أنْ يكون الوضع هو منشأ الدلالة التصديقيّة الموجودة في الجملة التامّة حيث يقال حينئذ انّه لا يمكن افتراض وضع الأمر والنهي للتحريك والزجر بمعنى كشفهما عنهما إِذ لو كشف عن التحريك والزجر التكوينيَّين كان واضح البطلان ولو كشف عن تحريك وزجر تشريعيَّين فهما بنفسيهما مصداقان لذلك لا انَّهما يكشفان عنه.

وامَّا على المسلك المشهور والمختار من أنَّ الوضع منشأ الدلالة التصوّريّة فقط فمدلول مادة الأمر والنهي معنى اسميّ ومدلول هيئتهما النسبة التكوينيّة الخارجيّة المنتزع عنها ذلك المعنى الاسمي ـ كما حقّق في معاني الهيئات ـ وهي النسبة الإرساليّة التحريكيّة في الأمر والنسبة الزجريّة التبعيديّة في النهي وكلتا النسبتين يراد منهما الإرسال والزجر الخارجين التكوينيَّين لا التشريعيّين ولكنه كمفهوم تصوّريّ لا تصديقي كي يقال بأنَّه واضح البطلان فانَّ الدلالة التصديقيّة تكون بالظهور الحالي فانّه يكشف كشفاً تصديقيّاً عن أنَّ المراد النفسيّ والداعي الحقيقي للمتكلّم انَّما هو داعي التحريك التشريعي والزجر التشريعي بالأمر والنهي وبذلك يكون مدلول النهي غير الأمر تصوراً وتصديقاً.

الكلمة الثانية ـ فيما اختاره السيد الأستاذ نفسه من أنَّ الأمر يدلّ على وضع الفعل واعتباره في ذمّة العبد والنهي يدلّ على اعتبار حرمان المكلّف عن الفعل وابتعاده عنه لا اعتبار تركه على ذمّته والشاهد عليه بناء على مسلك العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها انَّ الأمر يتبع مصلحة في الفعل فيناسب اعتبار الفعل في ذمة المكلّف والنهي يتبع مفسدة في الفعل فالفعل هو مركز البغض فيناسب اعتبار حرمان المكلَّف منه.

۴۵۵۱