عن شيء زائد عليه يكون أحسن عند المولى من عدم إيجاده ، وحينئذ تارة : يوجد في نفس العبد داعٍ إلهي آخر يدعوه إلى ترك هذه الحصة باعتبار حرمتها فلا محالة سوف يأتي بالجامع في ضمن حصة أخرى غير منهي عنها ، وامّا لو لم يوجد في نفسه هذا الداعي الإلهي الآخر بل كان يريد أَنْ يعصي النهي فيمكنه أَنْ يأتي بهذه الحصة المنهي عنها ، فهنا مجموع الداعيين الشيطاني والرحماني ، قد دعاه إلى الحصة أي الداعي الرحماني دعاه إلى الجامع والداعي الشيطاني دعاه إلى الحصة فيثبت الاقتراب والابتعاد معاً ، إلاّ أنَّ السبب للاقتراب والابتعاد ليس نفس الحصة حتى يُقال انَّ هذا شيء واحد والشيء الواحد يستحيل أَنْ يكون مقرّباً ومبعّداً معاً ، وانما السبب الداعي وهو متعدد في المقام فيعقل أَنْ يكون أحدهما مبعّداً والاخر مقرّباً.

البرهان السادس ـ أَنْ يُقال بأنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد فيما إذا وصل إلى المكلف ، فانه بالوصول يتنجز على المكلف يعني انَّ العقل يحكم بقبح المعصية فيكون الفعل مبعّداً عن المولى ، ومع فرض كونه مبعّداً يستحيل أَنْ يكون مقرّباً لأنهما ضدان لا يجتمعان.

وهذا البرهان يتفق مع البرهان الخامس في كل خصائصه التي ذكرناها إلاّ في واحدة ، فانَّ هذا البرهان يتمَّ حتى في القسم الرابع للنهي ، لأنَّه وإِنْ كان لا ينشأ من مبغوضية في متعلقه لكن على كل حال ما دام انه نهي مولوي يقبح عصيانه عقلاً ويكون العمل مبعّداً من المولى فيستحيل أَنْ يكون مقربا (١).

والتحقيق : عدم إمكان المساعدة على هذا البرهان أيضاً ، إذ لو كان المقصود من عدم إمكان اجتماع المقربية والمبعدية انَّ الإنسان الواحد لا يمكنه أَنْ يتقرب أو يتبعد من مولاه في لحظة واحدة ولو بلحاظ شيئين فهذا واضح البطلان ، فانَّ لازمه انه لا يمكن للإنسان الواحد أَنْ يعصي ويطيع في آن واحد مع انه ممكن بالضرورة فبالإمكان أَنْ يصلّي وينظر إلى الأجنبية في لحظة واحدة.

__________________

(١) ولكن لا يتم في القسم الخامس من أقسام النهي أي ما إذا كان النهي غيرياً خطاباً ، لأنَّ مخالفة التكليف الغيري ليست معصية ولا قبح فيها ولا عقوبة عليها فلا تكون مبعدة ، واما ما يترتب عليها من مخالفة تكليف آخر نفسي فذلك لا يضر بالتقرب بلحاظ ما هو متعلق النهي الغيري كما هو واضح.

۴۵۵۱