فالمولى يأمر بفعل ـ وهو الإنفاق في المقام ـ وينهي عما يكون مقابلا لذلك الفعل ومن شئون تركه ـ وهو التهلكة ـ في مقام التأكيد على ذلك الفعل فشيء واحد ليس أولا ثوب الإيجاب فيكون أمرا به ويلبس ثانيا ثوب السلب فيكون نهيا نظير قولك ( صل أرحامك ولا تشغل نفسك بخصومتهم وبغضهم ) فيكون المقصود ان ترك الإنفاق في سبيله إلقاء في الهلكة وهذا مضمون جملة من الروايات التي أكدت ان ترك الإنفاق في سبيله يؤدي إلى الهلاك وقد ورد ذلك بلسان ( حصنوا أموالكم بالزكاة ) وهو صريح في النّظر إلى الهلاك المال لا المالك والنّظر في أماثل هذه الخطابات والتوجيهات مع الطبيعي والنوع لا الافراد فلا ينافي ان لا تهلك أموال بعض الأغنياء الذين لا ينفقونها.

وعليه فلا يمكن الاستدلال بالآية مع وجوده هذه الاحتمالات التي ان لم نستظهر أحد الآخرين منها فلا أقل من التردد بينها والإجمال.

ثانيا ـ لو سلمنا استظهار الاحتمال الأول فمثل هذا النهي لا يمكن ان يكون مولويا لأنه نهي عما فرض انه هلكة في المرتبة السابقة فان فرض ان التكليف كان منجزا في المرتبة السابقة على هذا النهي لم يكن النهي الا إرشادا وتحذيرا عن دخول نار الهلكة وان فرض انه لا احتمال للعقاب لوجود مؤمن مولوي ـ فلا موضوع للنهي عن إلقاء النّفس في الهلكة فيستحيل استفادة التنجيز والعقاب والهلكة من نفس هذا النهي لأنه أخذ في موضوعه ذلك.

ومن جملة الآيات التي يستدل بها على إيجاب الاحتياط قوله تعالى ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) (١).

وتقريب الاستدلال بها مبني على ان المجاهدة تعني المجاهدة في طاعة الله ، والتعبير بالمجاهدة لبيان لزوم غاية الجهد ومن المعلوم ان بذل غاية الجهد يشمل الاحتياط في الشبهات لأن من لم يحتط في الشبهة لم يبذل قصارى جهده في طاعة الله سبحانه.

وفيه أولا : ان الجهاد الّذي أمر به في الآية قد حذف متعلق المباشر ، إذ لا إشكال بان مصب المجاهدة لا يمكن ان يكون الباري تعالى مباشرة بل لا بد وان يكون أمرا وشأنا من شئونه فلا بد من ان يكون النّظر إلى حيثية مقدرة هي في الواقع متعلق

__________________

(١) سورة الحج : ٧٨.

۵۲۴۱