الاتجاه الثاني ـ التفرقة بين الأمارة والأصل على أساس ان موضوع الأصل أخذ فيه قيد الشك بخلاف الأمارة حيث لم يؤخذ فيه الا نفس قيام الأمارة.

وهذا الاتجاه مضافا إلى انه لا يفي بتفسير الفروق والآثار المترتبة على كل من الأصل والأمارة التي أشرنا إليها غير معقول في نفسه ، لأن عدم تقيد موضوع الجعل الظاهري الأماري بالشك يستلزم إطلاقه لحال العلم وهو غير معقول على ما تقدم في بحث القطع. ومن هنا اضطر بعضهم في مقام التخلص عن هذا الاعتراض إلى التعبير بان الشك مورد للأمارة لأنها مجعولة في ظرف الشك وان لم يكن قد أخذ في موضوعه الشك.

الا ان هذا مجرد تغيير في العبارة ، إذ المقصود ان الجعل إذا كان قد فرض فيه وجود الشك وفرغ عنه فهو معنى أخذه قيدا في موضوع الحكم والا كان الحكم مطلقا وشاملا لحالات العلم وهو غير معقول.

الاتجاه الثالث ـ تحويل الفرق بين الأمارة والأصل من مقام الإنشاء والجعل إلى مقام الإثبات والدلالة وانه ان ورد في لسان الدليل في مقام الإثبات الشك فالحكم الظاهري أصل عملي والا فهو أمارة. ومن هنا يسلم هذا الاتجاه عن الاعتراض الثبوتي الموجه إلى الاتجاه السابق ولكنه أيضا غير تام ، إذ مضافا إلى انه لا يفي بتبرير خاصية كل من الأمارة والأصل من حيث آثارهما ، انها أكثر قشرية من الاتجاهين السابقين فعلى هذا الوجه سوف تكون أمارية الحكم الظاهري مرتبطة بنوع اللسان ونحو اللفظ الوارد فيه ، فمثلا إذا استدل بآية النفر أو النبأ على حجية خبر الثقة كان أمارة وان استدل بمثل آية السؤال عن أهل الذّكر ان كنتم لا تعلمون كان أصلا ، وهذا واضح البطلان.

نعم هذه النكتة الإثباتية قد تعالج بها مشكلة تقديم الأمارة على بعض الأصول العلمية كالاستصحاب بناء على مسالك جعل الطريقية فيه أيضا كما هو مختار بعض أصحاب مدرسة المحقق النائيني ( قده ) ، حيث ادعي من قبلهم ان دليل الأمارة انما يتقدم على دليل مثل هذا الأصل العملي رغم ان المجعول فيهما معا الطريقية ، لأن المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب عدم العلم واليقين بينما لم يؤخذ ذلك في موضوع دليل الأمارة والعقل لا يقتضي تخصيصه الا بصورة عدم العلم الوجداني فيكون إطلاقه رافعا لموضوع دليل الاستصحاب دون العكس. وهذا بحث

۵۲۴۱