المسلك الثاني ـ هو المسلك الّذي يدعي أصحابه بان الحسن والقبح من القضايا المشهورة الداخلة في صناعة الجدل لا القضايا البرهانية. وهناك فرضيتان لتفسير هذا المسلك.

الفرضية الأولى ـ ما يتراءى من كلمات السيد الأستاذ في شرح هذا المسلك ، وهو يرجع إلى دعوى ان الحسن والقبح قضية إنشائية من قبل العقلاء لا خبرية ، فهي على حد ساير المجعولات العقلائية غاية الأمر قد تطابق العقلاء عليها باعتبار إدراكهم للمصالح والمفاسد من ورائها. ومثل هذه الفرضية أيضا مدعى من فسر الحسن والقبح بأنهما موقفان عقلائيان عمليان مدحا أو قدحا.

إلا ان هذه الفرضية لا تنطبق على كلمات أصحاب هذا المسلك من الحكماء ، فانهم يصرحون بان المشهورات قضايا مقرونة بالتصديق الجازم كالقضايا الضرورية غاية الأمر ان التصديق الجازم في الضروريات مضمون الحقانية بخلافه هنا ، ومن الواضح ان فرض التصديق الجازم يستلزم افتراض القضية خبرية تصديقية لا إنشائية جعلية.

ثم ان هذه الفرضية أعني دعوى ان قضايا الحسن والقبح مجعولات عقلائية قد يكون مبررها دعوى ثبوتية هي إقامة البرهان على استحالة كونها قضايا خارجية ، لأنها لو كانت كذلك لاحتاجت إلى محل تعرض عليه كما في البياض مثلا مع وضوح ان الفعل الحسن أو القبيح قبل وجودهما متصفان بذلك.

والجواب حينئذ ما تقدم مرارا من ان لوح الواقح أوسع من لوح الوجود.

وقد يكون مبررها دعوى إثباتية حاصلها : انا لا ندرك شيئا آخر في الخارج وراء المصلحة والمفسدة في الأفعال ، نعم نجد ذم العقلاء ومدحهم تبعا للمفسدة والمصلحة.

وقد حاول السيد الأستاذ النقض على هذه الدعوى بأنها لو كانت قضايا مجعولة من قبل العقلاء فما شأن العاقل الأول قبل وجود العقلاء وتشريعاتهم فانه ينبغي أن يقال بعدم قبح الظلم وحسن العدل في حقه مع انه خلاف الوجدان ، فلا بدّ وأن تكون هذه القضايا واقعية.

ولكن هذا الكلام لا بد من إرجاعه إلى تكذيب وجداني للشبهة من ان هناك من

۴۵۶۱