وهذا التنسيق رغم صورته لا يخلو من قلق من الناحية الفنية ، لأنَّا إذا لاحظنا المقدمة الأولى نجد انَّها ليست مقدمة في عرض سائر المقدمات بل هي برهان بعض المقدمات الأُخرى وهي الرابعة ، فانَّ الوجه في عدم جواز الرجوع إلى البراءة في كلّ مسألة مثلاً هو العلم الإجمالي بالتكاليف فهي على حدّ قاعدة نفي العسر والحرج لنفي لزوم الاحتياط من حيث كونها حيثية تعليلية لتلك المقدمة. كما انَّ المقدمة الثالثة لو أُريد بالإهمال فيها عدم المنجزية وإجراء البراءة فهو رجوع إلى الرابعة ، وإِنْ أُريد عدم جواز الإهمال بمعنى لزوم تحصيل المؤمن تجاه الحكم الواقعي فهذا معناه انَّ مولوية المولى ثابتة بحيث لا بدَّ من التصدّي لتكاليفه وهذا أصل موضوعي لتمام الفقه لا لدليل الانسداد ، ولو أُريد انَّ مجرد انسداد باب العلم لا يوجب ارتفاع التكاليف الواقعية فهذا بحسب الحقيقة رجوع إلى المقدمة الأُولى من فرض العلم بالتكاليف إجمالاً حتى بعد الانسداد.

ولعلَّ الأفضل في منهجة هذا الدليل ، أَن يقال : بعد الفراغ عن أصل مولوية المولى ولزوم الاهتمام بتكاليفه والخروج عن عهدتها ، انَّ الخروج عن عهدة تلك التكاليف وتعيينها يتصوّر على أنحاء ، امَّا بتحصيل العلم التفصيليّ بها أو بالحجة ـ العملي ـ أو بالرجوع إلى الأصول المقررة في كلّ مسألة أو بالاحتياط التام أو بالتقليد لمجتهد أو بالقرعة أو بالعمل بالموهومات أو بالعمل بالمظنونات. فنبطل كلّ المحتملات ما عدا الأخير وبذلك يثبت المقصود.

ثمَّ انَّ مقدمات دليل الانسداد تارة ترتب بنحو ينتج حجية الظنّ على الكشف ، وأخرى حجيته على الحكومة. وقبل البحث عن كلّ من الترتيبين لا بدَّ من تفسير مصطلحي الكشف والحكومة في المقام.

امَّا الكشف فيراد بها حجية الظنّ شرعاً غاية الأمر يستكشف ذلك بدليل الانسداد العقلي أو الملفق من مقدمات عقلية ونقلية ، والحجية الشرعية للظنّ حجية مجعولة ومشرعة من قبل المولى وهذا واضح.

وامَّا حجية الظنّ على الحكومة فقد فسّرها صاحب الكفاية ( قده ) بحكم العقل بحجية الظنّ عند الانسداد على حدّ حكمه بحجية القطع عند الانفتاح.

۴۵۶۱