يوجد الموضوع بنحو آخر كما هو في الآية الكريمة لو جاءت بعنوان ( النبأ إذا جاءكم به الفاسق فتبيّنوا ) فان مجيء الفاسق يراد به إنباؤه وإيجاد النبأ إِلاّ انَّه لا ينحصر وجوده به إذ يعقل وجوده بإنباء العادل أيضا فالشرط في هذا القسم حصة خاصة من الإيجاد فكأنه قال النبأ إذا أوجده الفاسق فتبيّنوا.

ولا إشكال في عدم المفهوم في النحو الأول كما لا إشكال في ثبوته في النحو الثاني.

ويمكن أن يقرب وجه عدم المفهوم في الأول بأحد تقريبين :

الأول ـ انَّ المفهوم نفي حكم الجزاء على تقدير انتفاء الشرط وحينئذ إذا أُريد نفي مفاد الجزاء وهو وجوب ختن الابن عند انتفاء الشرط وهو وجوده فهذا انتفاؤه من باب السالبة بانتفاء الموضوع المحفوظ حتى في الجملة غير الشرطية فلا يكون لتركيب الشرطية دخل في تحصيله ، وإِن أُريد نفي وجوب ختن الأخ مثلاً بانتفاء وجود الولد فهذا سنخ مفاد آخر غير حكم الجزاء ، والمفهوم لا يدلّ إِلاّ على انتفاء مفاد الجزاء.

الثاني ـ انَّ المفهوم انَّما يثبت بملاك إرجاع الشرط قيداً للحكم والنسبة الحكمية في الجزاء وبهذا تتميز الجملة الشرطية عن الوصفية التي يكون الوصف فيها من قيود الموضوع قبل طرو الحكم عليه فإذا كان الشرط نفس الموضوع ذاتاً فليس هناك تقييد زائد بين الحكم والشرط غير تقيده بموضوعه الثابت في كلّ جملة حكمية فلا مفهوم.

وكلا التقريبين لا يجريان في القسم الثالث لأنَّ الموضوع ذاتاً محفوظ حتى مع انتفاء الشرط إذ الشرط حصة خاصة من إيجاد ذلك الموضوع فلا يكون انتفاؤه مساوقاً مع انتفاء الموضوع ليكون الانتفاء عقلياً أو التقييد مستحيلاً ، وهكذا يثبت انَّ الصحيح ثبوت المفهوم في القسم الثالث كالقسم الثاني.

وامَّا تشخيص انَّ الآية من أيّ هذه الأقسام فإذا كان مفادها ( نبأ الفاسق إذا جيء به أو جاءكم الفاسق به فتبيّنوا ) كان من القسم الأول لا محالة لأنَّ انتفاء نبأ الفاسق بانتفاء مجيئه عقلي ، وإِذا كان مفادها ( النبأ إذا جاء به الفاسق فتبيّنوا ) كان من القسم الثالث كما أشرنا ، وإذا كان مفادها ( نبأ المخبر يجب التبين عنه إذا كان الجائي به فاسقاً ) كان من القسم الثاني لأن فسق المخبر بخبر حالة طارئة بلحاظ الموضوع.

۴۵۶۱