بالقياس بذلك بل أكّد وشدد النكير فيه حتى صار ذلك واضحاً جلياً فلو كان العمل بخبر الثقة كذلك أيضا لصار بصدد الردع عنه كذلك خصوصاً مع انَّ الحاجة إلى العمل به أشد وأركز وتورط الناس عموماً والمسلمين خصوصاً بالأخذ والعمل بأحاديث الثقات أكثر. هذا مضافاً إلى ما تقدّم من المناقشة في أصل دلالة هذه النواهي على عدم الحجية فراجع.

وقد واجه المحقّقون من علماء الأصول هذه الشبهة بنحو آخر فاتّخذت مدرسة المحقق النائيني جواباً عليها ومدرسة صاحب الكفاية جواباً آخر ، فذكرت الأولى بأنَّ السيرة في المقام حاكمة على الأدلة الناهية عن العمل بالظنّ لأنَّها تجعل الخبر حجة والحجية معناها جعل الطريقية وكونه علماً فيرتفع موضوعها.

وفيه : أولا ـ ما تقدّم مراراً في أصل دعوى حاكمية أدلة الحجية على الأدلة الناهية عن العمل بالظنّ من انَّ مفاد الأخيرة إِنْ كان هو نفي الحجية فتكون في عرض دليل إثبات الحجية فأحدهما ينفي العلمية والآخر يثبتها وهو معنى التعارض بينهما ، وإِنْ فرض انَّ مفادها أمر مترتب على نفي الحجية فمثل هذا المفاد يكون محكوماً لكلّ ما يدلّ على الحجية بأيّ لسان كان ولا يعقل أَنْ يكون رادعاً لأنَّها فرع عدم الحجية.

وثانياً ـ في خصوص المقام لا يعقل حكومة دليل الحجية على الآيات الناهية عن العمل بالظنّ ، لأنَّ الحكومة تصرف تصرّف من الدليل الحاكم في موضوع الدليل المحكوم إنشاءً وتعبداً وهذا انَّما يعقل فيما إذا كان الدليل الحاكم المتصرف من قبل نفس المشرع للدليل المحكوم ، وفي المقام حيث انَّ دليل الحجية هو السيرة العقلائية فلا يعقل أَنْ تكون مباشرة حاكمة على الآيات الناهية عن العمل بالظنّ شرعاً ، إذ لا يعقل للعقلاء بما هم عقلاء التصرّف في موضوع حكم الشارع وامَّا إذا أُريد جعل إمضاء الشارع لها حاكماً ومتصرّفاً في الآيات فهو صحيح إِلاّ انَّ الكلام بعد في كيفية استكشاف هذا الإمضاء وامَّا لو فرض ثبوته والفراغ عنه فلا محالة تثبت حجية خبر الثقة سواءً كان مفاد الحجية جعل العلمية أو لا (١).

__________________

(١) لا يقال ولكن حيث انَّ الآيات الناهية بحسب نظر العقلاء محكومة فلا يصحّ الاعتماد عليها في الرادعية ، فالميزان عدم.

۴۵۶۱