وهذا الكلام منهم مسوق وفقاً لتصوراتهم في تحليل حجية القطع المتقدم شرحها ، حيث انهم كانوا يفصلون بين مولوية المولى المفروغ عنها في علم الكلام الأسبق رتبة من علم الفقه والأصول ، وبين تنجز تكاليف المولى ومقداره فجعلوا البحث عن دائرة التنجز بحثاً أصولياً. وقد تفرع عن هذا التفكيك أَن طرحت حجية القطع بصيغة انَّ القطع حجة بذاته ، لأنّها من لوازم الانكشاف والوصول الّذي يكون مقوماً للقطع ولازم ذلك انه إذا انتفى الانكشاف التام انتفت المنجزية وهذا ما سمي بقاعدة قبح العقاب بلا بيان الّذي هو بمثابة المفهوم المذكور وهو معنى انَّ الظن ليس منجزاً بذاته ما لم تتم بيانيته.

وقد شرحنا هنالك انَّ البحث عن المنجزية عين البحث عن المولوية فلا يصح التفكيك بينهما والمولوية مرجعها وروحها إلى إدراك العقل العملي لحق الطاعة وموضوعه ليس هو الوجود الواقعي النّفس الأمري للتكاليف بدليل معذورية القاطع بالعدم جهلاً ولا يكون جزءً الموضوع فيه بدليل استحقاق المتجري للعقاب وانَّما موضوعه إحراز التكليف فالمولوية ترجع إلى حكم العقل بلزوم إطاعة ما يحرز من تكاليف المولى فلا بدَّ حينئذٍ من ملاحظة انَّ أي مرتبة من مراتب الإحراز يكون بحسب نظر العقل الحاكم في هذا الباب هو موضوع هذا الحق. وقد ذكرنا انَّ العقل في المولى الحقيقي يرى كفاية مطلق الإحراز حتى الاحتمال لوجوب إطاعته وانَّ البراءة العقلية تبعيض في دائرة حق طاعة المولى الحقيقي وتحديد لمولويته في خصوص التكاليف القطعية فقط وهذا ما لا يوافق عليه وجداننا العملي. نعم هذا قد يصح في الموالي العرفية التي تكون مولوياتهم مجعولة ولو من قبل العقلاء ، فانهم جعلوها في خصوص التكاليف المعلومة لا مطلقاً فيكون العقاب منهم من غير بيان قبيحاً لأنه عقاب من دون مولوية وارتكازية هذا المطلب العقلائي هو الّذي ادعى القوم إلى تعميم القاعدة المذكورة وإسرائها إلى تكاليف المولى الحقيقي وقد عرفت انه خلاف الوجدان العملي.

وعلى هذا الضوء يعرف انَّ منجزية الظن في الجهة الأولى ذاتية له بمعنى انها ثابتة له أيضاً كما هي ثابتة للعلم وانما يفترق الظن عن العلم في انحفاظ مرتبة الحكم

۴۵۶۱