واستنباط شيء وكونها مضمونة الحقانية شيء آخر ولا تلازم بين الأمرين ويشهد على ذلك وقوع الخطأ أو الشك في المعارف الوجدانية المحسوسة ـ المحسوس بالذات ـ التي قلنا انها أولية لعدم توسيط شيء بينها وبين إدراكها بل ينصب الإدراك عليها مباشرة وأولا وبالذات ومع ذلك قد يشكك فيها أو يخطأ كمن يشك في انه هل يسمع الصوت أم لا إذا ما ابتعد عن مصدره تدريجا وهذا دليل على إمكانية وقوع الخطأ والاشتباه أو الشك في الوجدانيات الأوليات فكيف بقضايا أولية غير وجدانية. وقد كان قديما يبرهن على استحالة التسلسل ببرهان التطبيق أي تطبيق العلل على المعلولات فكأن يقال انه إن تساويا لزم تساوي الجزء مع الكل لأن سلسلة المعلولات هي سلسلة العلل بإضافة واحد ، والكل لا بد وأن يكون أكبر من الجزء وإن لم يتساويا كان معناه تناهي أحدهما على الأقل. وقد كان هذا برهانهم على استحالة التسلسل فترة طويلة من الزمن اعتمادا على بديهية ان الكل لا يكون أكبر من الجزء حتى جاءت الرياضيات الحديثة فأنكرت بداهة هذه القضية في الكميات اللامتناهية وجعلتها مختصة بالكميات المتناهية إذ ينعدم في غيرها معنى الكل والجزء وهذا خلاف قضية أولية. وقد قال بعض الحكماء في التسلسل ان كل مقدار من السلسلة عند ما نفترضه بنحو العام الاستغراقي نجده محصورا بين حاصرين فالعقل يحدس ان مجموع السلسلة أيضا محصور بين حاصرين مفترضا انها قضية أولية حدسية في نظره. ومن هنا امتاز المنطق والرياضيات البحتة على ساير العلوم النظرية في قلة الخطأ فيها نتيجة ان مصادرات العلوم الأولية منهما محدودة وواضحة لدى الجميع ومن هنا قل الخطأ فيهما إذ لا منفذ له حينئذ إلا الغفلة عن قواعد الرياضة والمنطق التي تتفادى بالدقة والممارسة والتطبيق.

واما الثاني ـ فالمعارف الأولية يتولد منها معارف على قسمين ، معارف يقينية بملاك التلازم الموضوعي بين متعلق المعرفتين ومعارف ظنية بدرجة من درجات الاحتمال حسب قواعد حساب الاحتمالات ، وهذا هو الّذي يدخل فيه أكثر معارفنا حيث يندرج فيه جميع المعارف المستمدة من التجربة والاستقراء ، فان حساب الاحتمالات لا توجب اليقين مهما امتد وانما ينشأ اليقين نتيجة ضعف الاحتمال إلى حد كبير حتى تتحول الظنون في نهاية المطاف إلى يقين وجزم بقانون ذاتي لا موضوعي

۴۵۶۱