ومن الغريب (١) ان المحقق المذكور لا يعتبر سوى فعلية اليقين والشك ، ثم يذهب إلى عدم جريان الاستصحاب في الفرضين المذكورين ، فالتفت ولا تغفل والله سبحانه المسدد.

__________________

[١] ما ذكرناه في الإيراد عليه ( قده ) هو الّذي ذكره غيرنا أيضا ، ولكن حمل كلامه على ظاهره من اعتبار اليقين السابق وعدم انتقاضه بيقين متأخّر عنه لا يمكننا الالتزام به لقرينتين :

إحداهما : أنّه قد صرّح مرارا من أول الاستصحاب إلى هذا المبحث بل صرّح في هذا المبحث بالخصوص بأنّه لا يعتبر في الاستصحاب سوى اليقين والشك الفعليين إلاّ أنّ أحدهما يتعلّق بالحدوث والآخر بالبقاء وجعل هذا هو المائز بين الاستصحاب وقاعدة اليقين ، ولا نحتمل في حقّه ( قده ) أنّه يعتبر اليقين السابق في الاستصحاب.

والأخرى : ما ذكره من مثال الدم المحتمل كونه دم بق ، فإنّ الظاهر أنّه مثال لما هو المتعارف من وجدان الإنسان دما على ثوبه يحتمل أنّه من جرح بدنه أو أنّه من البق ، ومن الواضح أنّ الشخص في مثل ذلك لم يحصل له يقين بنجاسة فردي الدم ، ثم حصل له يقين بطهارة أحدهما وهو ما امتصّه البق ثم اشتبه الحال بين الفردين بل اليقين والشك فعليان ، حاصلان بالفعل من دون تقدّم زماني بينهما. فالمثال لا ينطبق على ما حمل عليه كلامه.

ويمكن أن يوجّه ما أفاده وإن كان على خلاف ظاهر عبارة التقريرات ببيان مقدّمتين :

إحداهما : أنّ اليقين الإجمالي الناقض لليقين السابق والرافع له هو اليقين بالنحوين الأخيرين دون الأول ، فلو علم تفصيلا بنجاسة كلا الإناءين ثم علم بطهارة أحدهما من دون مميّز أصلا لم يتحقّق انتقاض اليقين السابق بهذا اليقين ، فلا يمكن الإشارة إلى أحدهما واقعا والحكم عليه بأنّه متيقّن الطهارة. [ ظاهر كلام النائيني في التقريرات هو تحقّق العلم التفصيليّ ـ في الفرض الثاني ـ ثم عروض الاشتباه ، ولكن السيد الأستاذ دام ظله حمل كلتا الصورتين على الإجمالي والفرق في كثرة المميّزات وعدم الكثرة ، فانتبه ].

وهذا بخلاف ما إذا تعلّق اليقين الإجمالي بطهارة أحدهما مع مميّز له سواء كان تمييزه بالعناوين المتعدّدة التي يسهل تشخيصه تفصيلا ويكون مشابها للمعلوم بالتفصيل ، كما في الفرض الثاني أم بعنوان واحد كعنوان الإناء الشرقي ـ مثلا ـ كما في الفرض الثالث فإنّ مثل هذا اليقين يكون ناقضا لليقين بالنجاسة التفصيليّ ، إذ يمكن الإشارة إلى ذلك الإناء بعنوانه المميّز له والحكم عليه بأنّه قد ارتفع عنه اليقين بالنجاسة وتعلّق اليقين بطهارته.

الثانية : أنّ دليل الاستصحاب يتكفّل اعتبار تعلّق اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وظاهره اعتبار فعلية كلا الوصفين ، فلا معنى لكون أحدهما ناقضا للآخر ، كما أنّه تكفّل الحكم بنقض اليقين باليقين الآخر ، وهذا غير متصوّر في باب الاستصحاب لاجتماع اليقينين في آن واحد. إذن فما معنى الحكم.

۴۵۰۱