وامّا الإشكال من الناحية الثانية فتقريبه : انَّ الأصل الجاري بلحاظ الشك في مرحلة الحدوث بنفسه يجري في الشك بلحاظ مرحلة البقاء أيضاً فلا شك في البقاء.

وهذا الإشكال انما يتجه فيما إذا أُريد استصحاب الحكم الظاهري أو الجامع بينه وبين الحكم الواقعي لا ما إذا أُريد استصحاب الحكم الواقعي الثابت بالأصل التنزيلي في مرحلة الحدوث كما هو واضح (١).

وقد أجاب المحقق النائيني ( قده ) عن هذا الإشكال بوجهين ارتضى أحدهما دون الآخر.

الوجه الأول ـ انَّ الاستصحاب في المقام مقدم على الأصل الجاري بلحاظ مرحلة البقاء فيما إذا كان غير تنزيلي كأصالة الطهارة أو الحل.

وأجاب عنه : بأنَّ حكومة الاستصحاب على القاعدة فرع جريانه الّذي هو فرع تحقق موضوعه ، والمفروض انَّ القاعدة ترفع موضوعه وهو الشك في البقاء.

وهذا الجواب وان كان يمكن إرجاعه إلى نكتة صحيحة في نفسها وذلك ببيان انَ

__________________

(١) لا يقال ـ بناءً على جريان استصحاب الحكم الواقعي بملاك قيام الأصل التنزيلي مقام القطع الموضوعي المأخوذ في دليل الاستصحاب كما يكون جريان الأصل التنزيلي حدوثاً محققاً لفرد من اليقين الّذي هو موضوع الاستصحاب كذلك جريانه بقاء ينفي الشك في الواقع فينتفي موضوع الاستصحاب.

فانه يقال ـ المفروض عدم حكومة الأصول التنزيلية بعضها على بعض لأخذ الشك في لسان أدلتها جميعاً وهذا يعني انها تثبت أثر اليقين السابق في مورد الشك ولا تنفي الشك ومن آثار اليقين التعبدي الثابت بالأصل الأول بقاؤه بعد الشك الثاني كما انه لا منافاة بين جريان الأصل التنزيلي بقاء وجريان الاستصحاب في الحكم الواقعي بالملاك المتقدم لأنهما متوافقان فيجزيان معاً.

لا يقال ـ دليل الأصل التنزيلي الأول إذا كان نفس الاستصحاب الجاري ثانياً بلحاظ اليقين الوجداني كان جريانه بلحاظ اليقين التعبدي لغواً لأنَّ التعبد الاستصحابي الأول بنفسه ثابت ما لم يعلم بانتقاض اليقين الوجداني فلا معنى لجعله موضوعاً لاستصحاب ثان. وهذا البيان لا يفرق فيه بين ان نقول بأن موضوع الاستصحاب هو اليقين بالحدوث ولكن يقوم الأصل التنزيلي مقامه أو نقول بأن موضوع الاستصحاب نفس الحدوث فيترتب بكل ما يحرز الحدوث.

فانه يقال ـ لو أريد ان إطلاق دليل الاستصحاب بلحاظ الانتقاض الأول المحتمل بنفسه يثبت البقاء بلحاظ احتمال الانتقاض الثاني فهذا غير صحيح إذ التعبد بالبقاء بلحاظ كل انتقاض محتمل غيره بلحاظ الانتقاض الآخر فيكون هناك إطلاقان في دليل الاستصحاب بلحاظ مرحلة الانحلال والفعلية بحسب الحقيقة فلا مانع من ان يكون أحد الإطلاقين يقع بنفسه موضوعاً للإطلاق الآخر أيضاً ، وان أريد ان ثبوت التعبد الاستصحابي بلحاظ الانتقاض الثاني المحتمل بعد أن كان بإطلاق في دليل الاستصحاب الاجتهادي فلا معنى لإثباته بالاستصحاب الّذي هو أصل عملي ، فالجواب : انَّ قيام الأصل التنزيلي مقام القطع الموضوعي حكومة واقعية لا ظاهرية بحيث يكون جريان الاستصحاب في مورد اليقين التعبدي بالحدوث بإطلاق في دليل الاستصحاب الاجتهادي أيضاً. على أنه قد تقدم منَّا مراراً عدم المنافاة بين الأصل والأمارة المتوافقين في المؤدى.

فالحاصل : إطلاق دليل الاستصحاب بلحاظ احتمال الانتقاض الأول يحقق موضوعاً لإطلاق آخر في دليل الاستصحاب عند احتمال الانتقاض الثاني وان كان اليقين الوجداني بنفسه موضوعا أيضاً للتعبد بالبقاء بلحاظ الانتقاض الثاني المحتمل فلا لغوية في البين لعرضية الإطلاقين كما إذا ثبت الحدوث بأمارتين أو أصلين محرزين وقيل بقيامهما مقام القطع الموضوعي.

۳۶۸۱