ضمن هذه الحصة أو تلك ، سواء قلنا بامتناع إدراك الإنسان للكلي أو بإمكانه. أما على الأول ، فواضح. وأما على الثاني ، فلأنه إمكان نظري ، وأما في الحياة العملية فلا يتوفر للإنسان إدراك الكلي بحده عادة ، وإلا فكيف نتصور إنسانا بدون فرض أي طول خاص أو لون خاص أو جهة خاصة؟ وهل يبقى بعد إسقاط كل هذا من الحساب إلا نفس لفظ الإنسان؟ ولما كان لفظ الإنسان رمزا صالحا لأن يعبر عن أي فرد من أفراد الإنسان فقد اعتاد الذهن على أن ينظر إليه بوصفه التجسيد للكلي ونحو تحقق الكلي في الذهن ؛ ومن هنا كان النّظر إلى اللفظ نظرا مرآتيا وهذا على خلاف العلامات ودلالاتها لأنها انما تدل على أشياء جزئية محددة قابلة للتصور بحدها وبصورة مستقلة عن تصور العلامة.

وهذا أيضا لا يصلح لتفسير ظاهرة المرآتية في باب التفهيم اللفظي حتى ولو سلم ما افترض له من أصل موضوعي ينكر تصور الكلي بحده ، وذلك لأن هذه المرآتية لا تختص بالألفاظ الموضوعة للمعاني الكلية عند إرادة تفهيم المعنى الكلي بها بل هي محفوظة حتى فيما إذا أريد بها الفرد الجزئي ، وكذلك في مثل الأعلام الشخصية الموضوعة للمعاني الجزئية التي تأتي إلى الذهن بحدها بلا إشكال ، فهذه المرآتية لا ربط لها بعدم إمكان تصور الكلي.

الثالث : أن الدال على شيء تارة : يكون مما يترقب تعلق غرض نفسي بالالتفات إليه بمعناه بما هو ، وأخرى : لا يترقب ذلك عادة وإنما ينحصر الغرض منه بالغرض المقدمي ، فما كان من قبيل الأول يلحظ باللحاظ ، الاستقلالي في مقام استخدامه لتفهيم مدلوله ـ ومنه العلامات ـ وما كان من قبيل الثاني يلحظ باللحاظ الآلي المرآتي لغلبة جانب المقدمية عليه ـ ومنه الألفاظ ـ.

وهذا التفسير غير واضح أيضا ، إذ لم يعلم ان كل علامة تختلف عن كل صوت لفظي أو نقش لفظي في هذه الناحية ، بل قد يجعل نقش لفظي معين علامة على رأس الفرسخ مثلا ، وهذا معناه ان المرآتية وعدمها ليست من شئون تشخيص سنخ الدال وكونه من سنخ الألفاظ والأصوات أو من سنخ العمود.

الرابع : أن العلقة الوضعيّة تقوم على أساس الأشراط والاقتران الأكيد بين

۳۹۱۱