حروف الجرّ بل مطلق الظرف بفعل أو مشتق مذكور أو مقدّر. إلا أن التمييز بين الحروف والإضافة بهذا المقدار يجعل التفرقة بينهما بهذا النحو كأنه تعبّد لغوي بحت لا يستبطن نكتة فنيّة.

وإلا فلما ذا خصّص حرف الجر بوظيفة التحصيص في المعاني الحديثة فحسب؟

وبالإمكان تفسير هذه النقطة بوجه فني حاصله : انَّ هناك فرقاً أساسيّاً بحسب الإحساس الفطري للإنسان بين المعاني الحديثة والمعاني الذاتيّة من حيث انَّ المعنى الحدثي ليس له تشخّص بذاته كما في المعاني الذاتيّة فانَّ الذوات باعتبار استقلالها في الوجود تكون مستقلة في التشخص أيضا لأنَّ الوجود يساوق التشخص.

وأمَّا الحدث فتشخصه من قبل أطرافه وعلاقته بها فتشخص ضرب زيد عن ضرب عمر إنَّما هو بلحاظ صدور هذا من زيد وذاك عن عمرو أو وقوعه على زيد أو على عمرو أو كونه بالعصا أو باليد وهكذا. والحروف ـ وكذلك الهيئات الاشتقاقية ـ موضوعة لإفادة هذه التشخصات في المعاني الحرفية عن طريق تحديد نوع العلاقة والربط بين الحدث وبين ذلك الطرف فليست حروف الجر كالإضافة أو التوصيف لمجرّد تحصيص المعاني الحدثية ـ وإن كانت تستلزم ذلك ـ بل هي لتشخيص المعنى الحدثي وإبرازه حيث لا يتشخص إلا بمثل ذاك ومن هنا كانت تدلّ على خصوصيات تفصيلية زائدة على أصل الربط والنسبة ومن الواضح انَّ هذا الدور لا موضوع ولا معنى له في المعاني الذاتيّة لكي تدخل الحروف عليها فان الذوات متشخصة بقطع النّظر عن علاقتها بأطرافها ومن هنا كان لا بدَّ في موارد لا يوجد في الكلام ما يدلّ على الحدث كما في قولك « هذا غلام لزيد » إمَّا من تقديره فيكون المعنى هذا غلام كائن لزيد فتكون النسبة التحصيصية مفادة بالتوصيف أو تحويل اسم الذات إلى معنى حدثي بأن يفرض انَّ المقصود من غلام لزيد أنَّه مملوك له.

وبهذا التقرير يتّضح الفرق الفني الدّقيق بين قولك « هذا ضارب زيد » و « هذا ضارب لزيد » رغم التشابه الشديد بينهما الموهم وحدة معنى الإضافة وحرف الجر فيه ، فانَّ « ضارب زيد » لا يدلّ على خصوصية مشخصة للضارب فانَّه مشخص في نفسه ولا لضربه لأنَّ المضاف هو الضارب لا ضربه وانَّما يدلّ على تحصيصه وتضييقه في

۳۹۱۱