درس دروس في علم الاصول - الحلقة الاولی

جلسه ۷: ادله محرزه ۲

 
۱

خطبه

۲

تقسیم بندی مباحث علم اصول

۳

حجیت قطع

۴

تطبیق تقسیم بندی مباحث علم اصول

۵

تطبیق حجیت قطع

تنويع البحث :

حينما يتناول الفقيه مسألةً كمسألة الإقامة للصلاة ، ويحاول استنباط حكمها يتساءل في البداية : ما هو نوع الحكم الشرعيّ المتعلّق بالإقامة؟ فإن حصل على دليلٍ يكشف عن نوع الحكم الشرعيّ للإقامة كان عليه أن يحدِّد موقفه العمليّ واستنباطه على أساسه ، فيكون استنباطاً قائماً على أساس الدليل.

وإن لم يحصل الفقيه على دليلٍ يعيّن نوع الحكم الشرعيّ المتعلّق بالإقامة فسوف يظلّ الحكم الشرعيّ مجهولاً للفقيه ، وفي هذه الحالة يستبدل الفقيه سؤاله الأوّل الذي طرحه في البداية بسؤالٍ جديدٍ كمايلي : ما هي القواعد التي تحدّد الموقف العمليّ تجاه الحكم الشرعيّ المجهول؟ وهذه القواعد تسمّى بالاصول العملية ، ومثالها : أصالة البراءة ، وهي القاعدة القائلة : «إنّ كلّ إيجابٍ أو تحريمٍ مجهولٍ لم يقم عليه دليل فلا أثر له على سلوك الإنسان ، وليس الإنسان ملزماً بالاحتياط من ناحيته والتقيّد به» ، ويقوم الاستنباط في هذه الحالة على أساس الأصل العمليّ بدلاً عن الدليل.

والفرق بين الأصل والدليل : أنّ الأصل لا يحرز الواقع ، وإنّما يحدّد الوظيفة العملية تجاهه ، وهو نحوٌ من الاستنباط ، ولأجل هذا يمكننا تنويع عملية الاستنباط إلى نوعين :

أحدهما : الاستنباط القائم على أساس الدليل ، كالاستنباط المستمدّ من نصٍّ دالٍّ على الحكم الشرعي.

والآخر : الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي ، كالاستنباط المستمدّ

من أصالة البراءة.

ولمّا كان علم الاصول هو : العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط فهو يزوِّد كِلا النوعين بعناصره المشتركة ، وعلى هذا الأساس ننوِّع البحوث الاصولية إلى نوعين ، نتكلّم في النوع الأوّل عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتمثّل في أدلةٍ محرزةٍ للحكم ، ونتكلّم في النوع الثاني عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتمثّل في اصولٍ عملية.

العنصر المشترك بين النوعين :

ويوجد بين العناصر المشتركة في عملية الاستنباط عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعيّ بكلا نوعيها : ما كان منها قائماً على أساس الدليل ، وما كان قائماً على أساس الأصل العملي.

وهذا العنصر هو حجّية القطع. ونريد بالقطع : انكشاف قضيةٍ من القضايا بدرجةٍ لا يشوبها شكّ. ومعنى حجّية القطع يتلخّص في أمرين :

أحدهما : أنّ العبد إذا تورّط في مخالفة المولى نتيجةً لعمله بقطعه واعتقاده فليس للمولى معاقبته ، وللعبد أن يعتذر عن مخالفته للمولى بأنّه عمل على وفق قطعه ، كما إذا قطع العبد خطأً بأنّ الشراب الذي أمامه ليس خمراً ، فشربه اعتماداً على قطعه ، وكان الشراب خمراً في الواقع فليس للمولى أن يعاقبه على شربه للخمر ما دام قد استند إلى قطعه ، وهذا أحد الجانبين من حجّية العلم ، ويسمّى بجانب المعذِّرية.

والآخر : أنّ العبد إذا تورّط في مخالفة المولى نتيجةً لتركه العمل بقطعه فللمولى أن يعاقبه ويحتجّ عليه بقطعه ، كما إذا قطع العبد بأنّ الشراب الذي أمامه خمر ، فشربه ، وكان خمراً في الواقع فإنّ من حقِّ المولى أن يعاقبه على مخالفته ؛ لأنّ العبد كان على علمٍ بحرمة الخمر وشربه فلا يُعذَر في ذلك ، وهذا هو الجانب الثاني من

حجّية القطع ، ويسمّى بجانب المنجّزية.

وبديهيّ أنّ حجّية القطع بهذا المعنى الذي شرحناه لا يمكن أن تستغني عنها أيّ عمليةٍ من عمليات استنباط الحكم الشرعي ؛ لأنّ الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائماً بنتيجة ، وهي العلم بالموقف العمليّ تجاه الشريعة وتحديده على أساس الدليل ، أو على أساس الأصل العملي ، ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثرٍ لا بدّ من الاعتراف مسبقاً بحجّية القطع ، إذ لو لم يكن القطع حجّةً ولم يكن صالحاً للاحتجاج به من المولى على عبده ، ومن العبد على مولاه لكانت النتيجة التي خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغواً ؛ لأنّ علمه ليس حجّة ، ففي كلّ عملية استنباطٍ لا بدّ إذن أن يدخل عنصر حجّية القطع ؛ لكي تعطي العملية ثمارها ويخرج منها الفقيه بنتيجةٍ إيجابية.

وبهذا أصبحت حجّية القطع أعمّ العناصر الاصولية المشتركة وأوسعها نطاقاً.

وليست حجّية القطع عنصراً مشتركاً في عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعيّ فحسب ، بل هي في الواقع شرط اساسيّ في دراسة الاصوليِّ للعناصر المشتركة نفسها أيضاً ، فنحن حينما ندرس ـ مثلاً ـ مسألة حجّية الخبر أو حجّية الظهور العرفيّ إنّما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة ، فإذا لم يكن العلم والقطع حجّةً فأيّ جدوى في دراسة حجّية الخبر والظهور العرفي؟!

فالفقيه والاصوليّ يستهدفان معاً من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية (تحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة) أو الاصولية (العنصر المشترك) ، فبدون الاعتراف المسبق بحجّية العلم والقطع تصبح بحوثهما عبثاً لا طائل تحته.

وحجّية القطع ثابتة بحكم العقل ، فإنّ العقل يحكم بأنّ للمولى سبحانه حقّ الطاعة على الإنسان في كلّ ما يعلمه من تكاليف المولى وأوامره ونواهيه ، فإذا علم الإنسان بحكمٍ إلزاميٍّ من المولى (وجوبٍ أو حرمةٍ) دخل ذلك الحكم الإلزاميّ

ضمن نطاق حقّ الطاعة ، وأصبح من حقّ المولى على الإنسان أن يمتثل ذلك الإلزام الذي علم به ، فإذا قصّر في ذلك أو لم يؤدِّ حقّ الطاعة كان جديراً بالعقاب ، وهذا هو جانب المنجّزية في حجّية القطع.

ومن ناحيةٍ اخرى يحكم العقل أيضاً بأنّ الإنسان القاطع بعدم الإلزام من حقّه أن يتصرّف كما يحلو لَه ، وإذا كان الإلزام ثابتاً في الواقع والحالة هذه فليس من حقّ المولى على الإنسان أن يمتثله ، ولا يمكن للمولى أن يعاقبه على مخالفته ما دام الإنسان قاطعاً بعدم الإلزام ، وهذا هو جانب المعذّرية في حجّية القطع.

والعقل كما يدرك حجّية القطع كذلك يدرك أنّ الحجّية لا يمكن أن تزول عن القطع ، بل هي لازمة له ، ولا يمكن حتّى للمولى أن يجرِّد القطع من حجّيته ويقول : إذا قطعت بعدم الإلزام فأنت لست معذوراً ، أو يقول : إذا قطعت بالإلزام فلك أن تهمله ، فإنّ كلّ هذا مستحيل بحكم العقل ؛ لأنّ القطع لا تنفكّ عنه المعذّرية والمنجّزية بحالٍ من الأحوال ، وهذا معنى القاعدة الاصولية القائلة باستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع.

وقد تقول : هذا المبدأ الاصوليّ يعني أنّ العبد إذا تورّط في عقيدةٍ خاطئةٍ فقطع ـ مثلاً ـ بأنّ شرب الخمر حلال فليس للمولى أن ينبِّهه على الخطأ.

والجواب : أنّ المولى بإمكانه التنبيه على الخطأ وإخبار العبد بأنّ الخمر ليس مباحاً ؛ لأنّ ذلك يزيل القطع من نفس العبد ويردّه إلى الصواب ، والمبدأ الاصوليّ الآنف الذكر إنّما يقرِّر استحالة صدور الردع من المولى عن العمل بالقطع مع بقاء القطع ثابتاً ، فالقاطع بحلّية شرب الخمر يمكن للمولى أن يزيل قطعه ، ولكن من المستحيل أن يردعه عن العمل بقطعه ويعاقبه على ذلك ما دام قطعه ثابتاً ويقينه بالحلّية قائماً.