درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۴: مباحث حجت ۲۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 
۱

متاسفانه صوت این جلسه موجود نیست

غيرهم ، وإن أوهم بعض عباراتهم ذلك ؛ لعدم التمييز بين نقاط البحث.

وإذا عرفت ذلك تعرف أنّ الخلط في المقصود من إدراك العقل النظريّ ، وعدم التمييز بين ما يدركه من الأحكام ابتداء وما يدركه منها بتوسّط الملازمة ، هو سبب المحنة في هذا الاختلاف ، وسبب المغالطة التي وقع فيها بعضهم ؛ إذ نفى مطلقا إدراك العقل لحكم الشارع ، وحجّيّته ، قائلا : «إنّ أحكام الله توقيفيّة لا مسرح للعقول فيها» ، وغفل عن أنّ هذا التعليل إنّما يصلح لنفي إدراكه للحكم ابتداء وبالاستقلال ، ولا يصلح لنفي إدراكه للملازمة المستتبع لعلمه بثبوت اللازم ، وهو الحكم.

٣. هذا كلّه إذا أريد من العقل «العقل النظريّ».

وأمّا : لو أريد به «العقل العمليّ» فكذلك لا يمكن أن يستقلّ في إدراك أنّ هذا ينبغي فعله عند الشارع أو لا ينبغي ، بل لا معنى لذلك ؛ لأنّ هذا الإدراك وظيفة العقل النظريّ ؛ باعتبار أنّ كون هذا الفعل ينبغي فعله عند الشارع بالخصوص أو لا ينبغي ، من الأمور الواقعيّة التي تدرك بالعقل النظريّ ، لا بالعقل العمليّ ، وإنّما كلّ ما للعقل العمليّ من وظيفة هو أن يستقلّ بإدراك أنّ هذا الفعل في نفسه ممّا ينبغي فعله أو لا ينبغي ، مع قطع النظر عن نسبته إلى الشارع المقدّس ، أو إلى أيّ حاكم آخر ، يعني أنّ العقل العمليّ يكون هو الحاكم في الفعل ، لا حاكيا عن حاكم آخر.

وإذا حصل للعقل العمليّ هذا الإدراك جاء العقل النظريّ عقيبه ، فقد يحكم بالملازمة بين حكم العقل العمليّ وحكم الشارع ، وقد لا يحكم. ولا يحكم بالملازمة إلاّ في خصوص مورد مسألة التحسين والتقبيح العقليّين ، أي خصوص القضايا المشهورات التي تسمّى «الآراء المحمودة» ، والتي تطابقت عليها آراء العقلاء كافّة بما هم عقلاء.

وحينئذ ـ بعد حكم العقل النظريّ بالملازمة ـ يستكشف حكم الشارع على سبيل القطع ؛ لأنّه بضمّ المقدمّة العقليّة المشهورة ـ التي هي من الآراء المحمودة التي يدركها العقل العمليّ ـ إلى المقدّمة التي تتضمّن الحكم بالملازمة التي يدركها العقل النظريّ ، يحصل للعقل النظريّ العلم بأنّ الشارع له هذا الحكم ؛ لأنّه حينئذ يقطع باللازم ـ وهو الحكم ـ بعد فرض قطعه بثبوت الملزوم والملازمة.

ومن هنا قلنا سابقا : إنّ المستقلاّت العقليّة تنحصر في مسألة واحدة ، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليّين ؛ لأنّه لا يشارك الشارع حكم العقل العمليّ إلاّ فيها ، أي إنّ العقل النظريّ لا يحكم بالملازمة إلاّ في هذا المورد خاصّة. (١)

وجه حجّيّة [حكم] العقل

٤. إذا عرفت ما شرحناه ـ وهو أنّ العقل النظريّ يقطع باللازم ، أعني حكم الشارع ، بعد قطعه بثبوت الملزوم الذي هو حكم الشرع أو العقل ، وبعد فرض قطعه بالملازمة ـ ، نشرع في بيان وجه حجّيّة [حكم] العقل ، فنقول :

لقد انتهى الأمر بنا في البحث السابق إلى أنّ الدليل العقليّ ما أوجب القطع بحكم الشارع ، وإذا كان الأمر كذلك فليس ما وراء القطع حجّة ؛ فإنّه تنتهي إليه حجّيّة كلّ حجّة ؛ لأنّه ـ كما تقدّم ـ هو حجّة بذاته ، ولا يعقل سلخ الحجّيّة عنه. (٢)

وهل تثبت الشريعة إلاّ بالعقل؟ وهل يثبت التوحيد والنبوّة إلاّ بالعقل؟ وإذا سلخنا أنفسنا عن حكم العقل فكيف نصدّق برسالة؟! وكيف نؤمن بشريعة؟! بل كيف نؤمن بأنفسنا واعتقاداتها؟! وهل العقل إلاّ ما عبد به الرّحمن؟ وهل يعبد الديّان إلاّ به؟

إنّ التشكيك في حكم العقل سفسطة ليس وراءها سفسطة. نعم ، كلّ ما يمكن الشكّ فيه هو [من] الصغريات ـ أعني ثبوت الملازمات في المستقلاّت العقليّة ، أو في غير المستقلاّت العقليّة ـ. ونحن إنّما نتكلّم في حجّيّة [حكم] العقل لإثبات الحكم الشرعيّ بعد ثبوت تلك الملازمات. وقد شرحنا في الجزء الثاني مواقع كثيرة من تلك الملازمات ، فأثبتنا بعضها في مثل المستقلاّت العقليّة ، ونفينا بعضا آخر في مثل مقدّمة الواجب ، ومسألة الضدّ.

أمّا : بعد ثبوت الملازمة وثبوت الملزوم فأيّ معنى للشكّ في حجّيّة [حكم] العقل ،

__________________

(١) راجع البحث الرابع في أسباب حكم العقل العمليّ ، الجزء الثاني : ٢٣٧ فما بعدها لتعرف السرّ في التخصيص بالآراء المحمودة ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) راجع الصفحة : ٣٨٠.

أو الشكّ في ثبوت اللازم ، وهو حكم الشارع؟

ولكن ، مع كلّ هذا وقع الشكّ لبعض الأخباريّين في هذا الموضوع ، (١) فلا بدّ من تجليته (٢) لكشف المغالطة ، فنقول :

قد أشرنا في المقصد الثاني إلى هذا النزاع (٣) ، وقلنا : إنّ مرجع هذا النزاع إلى ثلاث نواح ، وذلك حسب اختلاف عباراتهم :

الأولى : في إمكان أن ينفي الشارع حجّيّة هذا القطع. وقد اتّضح لنا ذلك بما شرحناه في حجّيّة القطع الذاتيّة من هذا الجزء ، فارجع إليه (٤) لتعرف استحالة النهي عن اتّباع القطع.

الثانية : بعد فرض إمكان نفي الشارع حجّيّة القطع ، هل نهى الشارع عن الأخذ بحكم العقل؟ وقد ادّعى ذلك جملة من الأخباريّين الذين وصل إلينا كلامهم (٥) ؛ مدّعين أنّ الحكم الشرعيّ لا يتنجّز ، ولا يجوز الأخذ به إلاّ إذا ثبت من طريق الكتاب ، والسنّة.

أقول : ومردّ هذه الدعوى في الحقيقة إلى دعوى تقييد الأحكام الشرعيّة بالعلم بها من طريق الكتاب ، والسنّة. وهذا خير ما يوجّه به كلامهم. ولكن قد سبق الكلام مفصّلا في مسألة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل من هذا الجزء ، فقلنا : إنّه يستحيل تعليق الأحكام على العلم بها مطلقا ، فضلا عن تقييدها بالعلم الناشئ من سبب خاصّ ، وهذه الاستحالة ثابتة ، حتى لو قلنا بإمكان نفي حجّيّة القطع ؛ لما قلناه من لزوم الخلف ، كما شرحناه هناك. (٦)

__________________

(١) وفي «س» : «في هذا الأمر الضروريّ ، وهو من غرائب المقالات». والأولى ما في المتن ، فإنّ في هذه العبارة مبالغة في تهجين ما ذكره الأخباريّون ، ويفهم منها الإزراء بحالهم ، وهو لا يليق بشأن المصنّف قدس‌سره ؛ لأنّ فيها شائبة من الغيبة.

(٢) وفي «س» : «تجلية الموضوع».

(٣) راجع الصفحة : ٢٢٥.

(٤) راجع الصفحة : ٣٨٠.

(٥) منهم المحدّث الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة : ١٢٩ ـ ١٣١ ، والعلاّمة البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ١٣٢.

(٦) راجع الصفحة : ٣٩٣ ـ ٣٩٤.