درس دروس في علم الاصول - الحلقة الاولی

جلسه ۲۳: دلیل عقلی ۳

 

العلاقات القائمة بين الحكم ومتعلّقه

عرفنا أنّ وجوب الصوم ـ مثلاً ـ موضوعه مؤلّف من عدّة عناصر تتوقّف عليها فعليّة الوجوب ، فلا يكون الوجوب فعليّاً وثابتاً إلاّإذا وجد مكلّف غير مسافرٍ ولا مريضٍ وهَلَّ عليه هلال شهر رمضان ، وأمّا متعلّق هذا الوجوب فهو الفعل الذي يؤدّيه المكلّف نتيجةً لتوجّه الوجوب إليه ، وهو الصوم في هذا المثال.

وعلى هذا الضوء نستطيع أن نميِّز بين متعلّق الوجوب وموضوعه ، فإنّ المتعلّق يوجد بسبب الوجوب ، فالمكلّف إنّما يصوم لأجل وجوب الصوم عليه ، بينما يوجد الحكم نفسه بسبب الموضوع ، فوجوب الصوم لا يصبح فعلياً إلاّإذا وجد مكلّف غير مريضٍ ولا مسافرٍ وهَلَّ عليه الهلال.

وهكذا نجد أنّ وجود الحكم يتوقّف على وجود الموضوع ، بينما يكون سبباً لإيجاد المتعلّق وداعياً للمكلّف نحوه.

وعلى هذا الأساس نعرف أنّ من المستحيل أن يكون الوجوب داعياً إلى إيجاد موضوعه ومحرّكاً للمكلّف نحوه كما يدعو إلى إيجاد متعلّقه ، فوجوب الصوم على كلّ مكلّفٍ غير مسافرٍ ولا مريضٍ لا يمكن أن يفرض على المكلّف أن لا يسافر ، وإنّما يفرض عليه أن يصوم إذا لم يكن مسافراً ، ووجوب الحجّ على المستطيع لا يمكن أن يفرض على المكلّف أن يكتسب ليحصل على الاستطاعة ، وإنّما يفرض الحجّ على المستطيع ؛ لأنّ الحكم لا يوجد إلاّبعد وجود موضوعه ، فقبل وجود الموضوع لا وجود للحكم لكي يكون داعياً إلى إيجاد موضوعه.

ولأجل ذلك وضعت في علم الاصول القاعدة القائلة : «إنّ كلّ حكمٍ يستحيل أن يكون محرِّكاً نحو أيِّ عنصرٍ من العناصر الدخيلة في تكوين موضوعه ، بل يقتصر تأثيره وتحريكه على نطاق المتعلّق».

العلاقات القائمة بين الحكم والمقدِّمات

المقدِّمات التي يتوقّف عليها وجود الواجب على قسمين :

أحدهما : المقدِّمات التي يتوقّف عليها وجود المتعلّق ، من قبيل السفر الذي يتوقّف أداءُ الحجّ عليه ، أو الوضوء الذي تتوقّف الصلاة عليه ، أو التسلّح الذي يتوقّف الجهاد عليه.

والآخر : المقدِّمات التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب ، من قبيل نيّة الإقامة التي يتوقّف عليها صوم شهر رمضان ، والاستطاعة التي تتوقّف عليها حجّة الاسلام.

والفارق بين هذين القسمين : أنّ المقدمة التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب يتوقّف على وجودها الوجوب نفسه ؛ لِمَا شرحناه سابقاً من أنّ الحكم الشرعيّ يتوقّف وجوده على وجود موضوعه ، فكلّ مقدمةٍ دخيلة في تحقّق موضوع الحكم يتوقّف عليها الحكم ولا يوجد بدونها ، خلافاً للمقدِّمات التي لا تدخل في تكوين الموضوع وإنّما يتوقّف عليها وجود المتعلّق فحسب ، فإنّ الحكم يوجد قبل وجودها ؛ لأنّها لا تدخل في موضوعه.

ولنوضّح ذلك في مثال الاستطاعة والوضوء : فالاستطاعة مقدمة تتوقّف عليها حجَّة الإسلام ، والتكسّب مقدمة للاستطاعة ، وذهاب الشخص إلى محلّه في السوق مقدمة للتكسّب ، وحيث إنّ الاستطاعة تدخل في تكوين موضوع وجوب الحجّ فلا وجوب للحجّ قبل الاستطاعة وقبل تلك الامور التي تتوقّف عليها الاستطاعة.

وأمّا الوضوء فلا يدخل في تكوين موضوع وجوب الصلاة ؛ لأنّ وجوب

الصلاة لا ينتظر أن يتوضّأ الإنسان لكي يتّجه إليه ، بل يتّجه إليه قبل ذلك ، وإنّما يتوقّف متعلّق الوجوب ـ أي الصلاة ـ على الوضوء ، ويتوقّف الوضوء على تحضير الماء الكافي ، ويتوقّف تحضير هذا الماء على فتح خزّان الماء مثلاً. فهناك إذن سلسلتان من المقدّمات :

الاولى : سلسلة مقدّمات المتعلّق ، أي الوضوء الذي تتوقّف عليه الصلاة ، وتحضير الماء الذي يتوقّف عليه الوضوء ، وفتح الخزّان الذي يتوقّف عليه تحضير الماء.

والثانية : سلسلة مقدّمات الوجوب ، وهي : الاستطاعة التي تدخل في تكوين موضوع وجوب الحجّ والتكسّب الذي تتوقّف عليه الاستطاعة ، وذهاب الشخص إلى محلّه في السوق الذي يتوقّف عليه التكسّب.

وموقف الوجوب من هذه السلسلة الثانية وكلّ ما يندرج في القسم الثاني من المقدّمات سلبيّ دائماً ؛ لأنّ هذا القسم يتوقّف عليه وجود موضوع الحكم ، وقد عرفنا سابقاً أنّ الوجوب لا يمكن أن يدعو إلى موضوعه. وتسمّى كلّ مقدمةٍ من هذا القسم «مقدّمة وجوب» ، أو «مقدمة وجوبية».

وأمّا السلسلة الاولى والمقدّمات التي تندرج في القسم الأوّل فالمكلّف مسؤول عن إيجادها ، أي أنّ المكلّف بالصلاة ـ مثلاً ـ مسؤول عن الوضوء لكي يصلّي ، والمكلَّف بالحجّ مسؤول عن السفر لكي يحجّ ، والمكلّف بالجهاد مسؤول عن التسلّح لكي يجاهد.

والنقطة التي درسها الاصوليّون هي نوع هذه المسؤولية ، فقد قدّموا لها تفسيرين :

أحدهما : أنّ الواجب شرعاً على المكلّف هو الصلاة فحسب ، دون مقدّماتها من الوضوء ومقدّماته ، وإنّما يجد المكلّف نفسه مسؤولاً عن إيجاد الوضوء وغيره من

المقدّمات عقلاً ؛ لأنّه يرى أنّ امتثال الواجب الشرعيّ لا يتأتى له إلاّبإيجاد تلك المقدمات (١).

والآخر : أنّ الوضوء واجب شرعاً ؛ لأنّه مقدمة للواجب ، ومقدمة الواجب واجبة شرعاً ، فهناك إذن واجبان شرعيّان على المكلّف : أحدهما الصلاة ، والآخر الوضوء بوصفه مقدمة الصلاة. ويسمّى الأوّل ب «الواجب النفسي» ؛ لأنّه واجب لأجل نفسه. ويسمّى الثاني ب «الواجب الغيري» ؛ لأنّه واجب لأجل غيره ، أي لأجل ذي المقدمة وهو الصلاة.

وهذا التفسير أخذ به جماعة من الاصوليّين (٢) إيماناً منهم بقيام علاقة تلازمٍ بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، فكلّما حكم الشارع بوجوب فعلٍ حكم عقيب ذلك مباشرةً بوجوب مقدماته.

ويمكن الاعتراض على ذلك : بأنّ حكم الشارع بوجوب المقدمة في هذه الحالة لا فائدة فيه ولا موجب له ؛ لأنّه : إن أراد به إلزام المكلّف بالمقدمة فهذا حاصل بدون حاجةٍ إلى حكمه بوجوبها ، إذ بعد أن وجب الفعل المتوقّف عليها يدرك العقل مسؤولية المكلّف من هذه الناحية. وإن أراد الشارع بذلك مطلباً آخر دعاه إلى الحكم بوجوب المقدمة فلا نتعقَّله.

وعلى هذا الأساس يعتبر حكم الشارع بوجوب المقدمة لغواً فيستحيل ثبوته ، فضلاً عن أن يكون ضروريّ الثبوت كما يدّعيه القائل بالتلازم بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته.

__________________

(١) اختار هذ االتفسير جمع من الاصوليين ، منهم : المحقق الايراواني في حاشيته على الكفاية. نهاية النهاية ١ : ١٨١ والسيّد الخوئي : محاضرات في اصول الفقه ٢ : ٤٣٨

(٢) منهم المحقّق الخراساني في كفاية الاصول : ١٥٦. والمحقّق العراقي في نهاية الأفكار ١ : ٣٥١ والمحقق النائيني في فوائد الاصول ١ ـ ٢ : ٢٨٤

العَلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد

قد يتعلّق الوجوب بشيءٍ واحدٍ ، كوجوب السجود على كلِّ من سمع آية السجدة ، وقد يتعلّق بعمليةٍ تتألف من أجزاءٍ وتشتمل على أفعالٍ متعدّدة ، من قبيل وجوب الصلاة ، فإنّ الصلاة عمليَّة تتألف من أجزاءٍ وتشتمل على أفعالٍ عديدة ، كالقراءة والسجود والركوع والقيام والتشهّد ، وما إلى ذلك.

وفي هذه الحالة تصبح العملية ـ بوصفها مركّبةً من تلك الأجزاء ـ واجبة ، ويصبح كلّ جزءٍ واجباً أيضاً ، ويطلق على وجوب المركّب اسم «الوجوب الاستقلالي» ، ويطلق على وجوب كلّ جزءٍ فيه اسم «الوجوب الضمني» ؛ لأنّ الوجوب إنّما يتعلّق بالجزء بوصفه جزءاً في ضمن المركب ، لا بصورةٍ مستقلّةٍ عن سائر الأجزاء ، فوجوب الجزء ليس حكماً مستقلاًّ ، بل هو جزء من الوجوب المتعلّق بالعملية المركّبة.

ولأجل ذلك كان وجوب كلّ جزءٍ من الصلاة ـ مثلاً ـ مرتبطاً بوجوب الأجزاء الاخرى ؛ لأنّ الوجوبات الضمنية لأجزاء الصلاة تشكّل بمجموعها وجوباً واحداً استقلالياً.

ونتيجة ذلك : قيام علاقة التلازم في داخل إطار الحكم الواحد بين الوجوبات الضمنية فيه.

وتعني علاقة التلازم هذه : أنّه لا تمكن التجزئة في تلك الوجوبات أو التفكيك بينها ، بل إذا سقط أيّ واحدٍ منها تحتّم سقوط الباقي نتيجةً لذلك التلازم القائم بينها.

ومثال ذلك : إذا وجب على الإنسان الوضوء وهو مركّب من أجزاءٍ

عديدةٍ ـ كغسل الوجه وغسل اليمنى وغسل اليسرى ومسح الرأس ومسح القدمين ـ فيتعلّق بكلّ جزءٍ من تلك الأجزاء وجوب ضمنيّ بوصفه جزءاً من الوضوء الواجب ، وفي هذه الحالة إذا تعذّر على الإنسان أن يغسل وجهه لآفةٍ فيه وسقط لأجل ذلك الوجوب الضمنيّ المتعلّق بغسل الوجه ، كان من المحتّم أن يسقط وجوب سائر الأجزاء أيضاً ، فلا يبقى على الإنسان وجوب غسل يديه فقط ما دام قد عجز عن غسل وجهه ؛ لأنّ تلك الوجوبات لابدّ أن ينظر إليها بوصفها وجوباً واحداً متعلّقاً بالعمليّة كلّها ، أي بالوضوء ، وهذا الوجوب : إمّا أن يسقط كلّه ، أو يثبت كلّه ، ولا مجال للتفكيك.

وعلى هذا الضوء نعرف الفرق بين ما إذا وجب الوضوء بوجوبٍ استقلاليٍّ ووجب الدعاء بوجوبٍ استقلاليٍّ آخر فتعذّر الوضوء ، وبين ما إذا وجب الوضوء فتعذّر جزء منه كغسل الوجه مثلاً.

ففي الحالة الاولى لا يؤدّي تعذّرالوضوء إلاّإلى سقوط الوجوب الذي كان متعلّقاً به ، وأمّا وجوب الدعاء فيبقى ثابتاً ؛ لأنّه وجوب مستقلّ غير مرتبطٍ بوجوب الوضوء.

وفي الحالة الثانية حين يتعذّر غسل الوجه ويسقط وجوبه الضمنيّ يؤدّي ذلك إلى سقوط وجوب الوضوء ، وارتفاع سائر الوجوبات الضمنيّة.

قد تقول : نحن نرى أنّ الإنسان يكلّف بالصلاة ، فإذا أصبح أخرس وعجز عن القراءة فيها كُلِّف بالصلاة بدون قراءة ، فهل هذا إلاّ تفكيك بين الوجوبات الضمنيّة ، ونقض لعلاقة التلازم بينها؟

والجواب : أنّ وجوب الصلاة بدون قراءةٍ على الأخرس ليس تجزئةً

لوجوب الصلاة الكاملة ، وإنّما هو وجوب آخر وخطاب جديد تعلّق منذ البدء بالصلاة الصامتة ، فوجوب الصلاة الكاملة والخطاب بها قد سقط كلّه نتيجةً لتعذّر القراءة ، وخلّفه وجوب آخر وخطاب جديد.